مرتضى الزبيدي

36

تاج العروس

دخولٍ ، رَفَعْتَ ، وقُرِئَ : " وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ " ( 1 ) " ويقولُ " . فمن نصَبَ ، جعله غاية ؛ ومن رَفَعَ ، جعله حالاً بمعنى حَتَّى الرَّسُولُ هذه حالُهُ . قال شيخُنا : وظاهرُ كلامه أَنّ لها دُخْلاً في رفع ما بعدَهَا ، وليس كذلك كما عَرَفْت : وأَنّها هي النّاصبة وهو مرجوح عند البصريِّين ، وإِنّما النّاصِبُ عندَ الجُمْهَور " أَنْ " مقدَّرَة بعدَ " حتَّى " ، كما هو مشهور في المبادئ . ولِهذا ، أَي لأَجل أَنَّها عاملة أَنواعَ العَمَل في أَنواع المُعْرَبَات ، وهي الأَسماءُ والفعل المضارع ، قالَ الفَرَّاءُ : أَمُوتَ ، وفي نَفْسِي مِنْ حتّى شَيْءٌ ؛ لأَنَّ القواعدَ المقرَّرَةَ بين أَئمّة العربيّة أَنّ العواملَ الّتي تعملُ في الأَسماءِ ، لا يُمكن أَن تكون عاملةً في الأَفعال ذلك العملَ ولا غيرَهُ ، ولذلك حَكَموا على الحروف العاملة في نوعٍ بأَنّها خاصّةٌ به ، فالنّواصبُ خاصَّة بالأَفعال ، كالجوازم لا يُتَصَوَّرُ وِجْدانُها في الأَسماءِ ، كما أَنّ الحروف العاملة في الأَسماءِ كحروف الجَرّ ، وإِنّ وأَخواتِها خاصة بالأَسماءِ ، لا يُمْكِن أَن يوجد لها عملٌ في غيرِهَا ، وحَتَّى كأَنَّهَا جاءَت على خلاف ذلك ، فعَمِلتِ الرّفعَ النَّصْبَ والجَرَّ في الأَسماءِ والأَفعال ، وهو على قواعد أَهل العربيّة مُشْكِلٌ . والصّواب أَنّه لا إِشكالَ ولا عَمَل ، وحَتَّى عندَ المُحَقِّقِينَ إِنّما تعمل الجرَّ خاصةً بشروطها . وأَمّا الرفعُ ، فقد أَوضحنا أَنَّها يقالُ لها الابتدائيّة ، وما بعدَها مرفوع بما كان مرفوعاً به قبلَ دخولها ، ولا أَثَرَ لها فيه أَصلاً ، وإِنّما نَصْبُ الفعلِ بعدَهَا له شروط ، إِن وُجِدَت ، نُصِبَ ، وإِلاّ بقي الفعلُ على رفعه ، لتجرُّدِه من النّاصب والجازم . وأَمّا النّاصبة ، فهي الجارَّةُ في الحقيقة ، لأَنّ نَصْبَ الفعلِ بعدَها إِنّمَا هو بأَنْ مقدّرة على ما عُرِف ، ولذلك يُؤَوَّلُ الفعلُ الواقِع بعدَهَا بمصدر يكون هو المجرورَ بها ، فقوله تعالى " حَتَّى يَرْجِعَ " ( 2 ) ، تقديرُه : حتى أَنْ يَرْجِعَ ، وأَنْ والفِعْلُ : مُؤَوَّلانِ بِالمصدر ، وهي ، في المعنى ، كإِلَى الدّالَّة على الغاية . والتّقدير : إِلى رجوع موسى إِلينا ، وبه تعلم ما في كلام المصنِّف من التقصير والقُصُور ، والتّخليط الّذي لا يُمَيِّز به المشهورُ من غير المشهور ، ولا يُعْرَفُ منه الشّاذُّ من كلام الجمهور ، قاله شيخُنا ، وهو تحقيقٌ حسَنٌ . وفي لسان العرب : وتدخُل على الأَفعال الآتية ، فتَنْصبُها بإِضمارِ " أَنْ " ، وتكونُ عاطفةً بمعنى الواو . وقال الأَزهريُّ : وقال النَّحْوِيُّونَ : " حتَّى " تجيءُ لوقتٍ مُنْتَظَر ، وتجيءُ بمعنى إِلى ، وأَجمعوا أَنَّ الإِمالَةَ فيها غيرُ مستقيم ( 3 ) ، وكذلك في عَلَى . ولِحَتَّى في الأَسماءِ والأَفعال ، أَعمالٌ مختلفة . وقال بعضهم : حَتَّى ، فَعْلَى ، من الحَتِّ ، وهو الفَرَاغُ من الشَّيْءِ ، مثل : شَتَّى من الشَّتِّ . قال الأَزهَرِيُّ : وليس هذا القولُ ممّا يُعَرَّجُ عليه ؛ لأَنّها لو كانت فَعْلَى من الحَتِّ ، كانت الإِمالةُ جائزةً ، ولكِنَّها حرفُ أَداة ، وليست باسْمٍ ولا فِعل . وفي الصِّحاحِ ، وغيره : وقولُهُم : حَتّامَ ، أَصلُه : حَتّى ما ، فحذفت أَلف ما للاستفهام ، وكذلك كلُّ حرف من حروف الجَرِّ يُضَاف في الاستفهام إِلى ما ، فإِنّ أَلف ما يُحْذَفُ فيه ، كقوله تعَالَى : " فَبِمَ تُبَشِّرُونَ " ( 4 ) ، و " فِيمَ كُنْتُم " ( 5 ) ، و " عَمَّ يتساءَلُونَ " ( 6 ) . وهُذَيْلٌ تقول : عَتَّى ، في : حَتَّى ، كذا في اللّسان . وحَتَّى : جَبَلٌ بِعُمَانَ وحَتَّاوَةُ : ة بعَسْقَلانَ ، منها أبو صالح عَمْرُو بنُ خَلَفٍ ( 7 ) عن رَوّاد بن الجَرّاحِ ، وعنه محمّد بن الحُسَيْن بن قُتَيْبَةَ ، روى له المالِيِنيُّ ، وذكره ابنُ عَدِيٍّ في الضُّعَفاءِ . وتقول : ما في يدِي مِنْهُ حَتٌّ كما تقُولُ : ما في يَدِي منه شَيْءٌ . وفي الأٍساس : ما في يَدِي منه حُتاتَةٌ . والحَتُّ . سُقُوطُ الوَرَقِ عن الغُصْنِ وغيرِه . والحَتُوتُ ، كصَبُورٍ من النَّخْلِ : المُتَنَاثِرُ البُسْرِ ، كالمِحْتَاتِ .

--> ( 1 ) البقرة : 214 . ( 2 ) سورة طه من الآية 91 . ( 3 ) أي أمر غير مستقيم . ( 4 ) سورة الحجر الآية 54 . ( 5 ) سورة النساء الآية 97 . ( 6 ) سورة النبأ الآية : 1 . ( 7 ) في معجم البلدان : حليف .